ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

الحلقة الثامنة عشرة

هل الحزب الشيوعي انتهازي، وهل هناك طبقة عاملة وفلاحين في العراق؟

لم تكن الأخطاء الفكرية والسياسية التي وقع فيها الحزب بأي حال من الأحوال تعتبر من حيث المبدأ وتعبر عن مفهوم الانتهازية أو عن ذهنية أو روحية انتهازية أو عن انتهازية اللجنة المركزية ومكتبها السياسي في الفترات المختلفة، بل كان الموقف يعبر عن رؤى فكرية متباينة، عن قناعات خاصة بكل من هؤلاء الرفاق، ولم يكن جميع الرفاق بمستوى فكري وسياسي واحد، ولا برؤية سياسية واحدة، أو قدرة تحليلية واحدة، للأوضاع القائمة. ولا يمكنني أن أجزم بأن لم يكن هنا أو هناك رفيقاً أو آخر تميز بمواقف انتهازية يسعى من خلال توريط الحزب بسياسات معينة للحصول على مكاسب معينة وشخصية، ولكن هذه الحالة، إن وجُدت، فهي حالات فردية محتملة. ولكن في مقدوري أن أجزم بأن الحزب الشيوعي السوفييتي قد لعب في فترات معينة دوراً في التأثير على الحزب وقراراته، ومنها بشكل خاص تحقيق التحالف مع البعث، أو قبل ذاك عدم الانتفاض على عبد الكريم قاسم وسياساته الفردية من جهة، إلا إنه عجز عن إقناع الحزب والتأثير عليه في البقاء في التحالف مع البعث وفي الجبهة، حين حاول ذلك من جهة ثانية، إذ كانت المقاومة شديدة والواقع لا يسمح بذلك بأي حال. من هنا أشير إلى اختلافي مع الدكتور فالح مهدي حين نعت الحزب بأن الحزب الشيوعي العراقي حزبٌ انتهازي أولاً، (الكتاب، ص 202)، بل كان أولئك الذين يعتقدون بضرورة الاستمرار في التحالف مع البعث تدفعهم الخشية باحتمال توجيه ضربة ماحقة للحزب ورفاقه، وهوتفكير قاصر حقاً، وليس انتهازياً، لأن البعث كان قد صمم على هذه الخطوة منذ بدء التحالف مع الحزب الشيوعي العراقي،بأنه سيقوم بذلك في أي وقت من الأوقات، وأن هذا التحالف ليس إلا لعبور وضعِ خاص كان يمر به حزب البعث ونظامه السياسي وحاجته للدعم الدولي، ولاسيما من جانب الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى.

مفهوم الانتهازية

ورد في معجم المعاني بأن الانتهازي هو (الْمُتَّصِفُ بِالانْتِهازِيَّةِ). رَجُلٌ اِنْتِهازِيٌّ :منْ يَسْتَغِلُّ الفُرَصَ لِصالِحِهِ دونَ اعْتِبارِ الغَيْرِ والْمَصْلَحَةِ العامَّةِ .كما ورد ما يلي: "الانتهازيةهي السياسة والممارسة الواعية للاستفادة الأنانية من الظروف - مع الاهتمام الضئيل بالمبادئ أو العواقب التي ستعود على الآخرين. وأفعال الشخص الانتهازي هي أفعال نفعية تحركها بشكل أساسي دوافع المصلحة الشخصية. وبهذا المعنى فأن الحزب الانتهازي هو من يعمل من أجل الحصول على مكاسب له على حساب مصالح الشعب والوطن.وفي قناعاتي الشخصية لم تتوفر مثل هذه الحالة في الحزب الشيوعي العراقي حين دخل التحالف مع البعث، بل كانت القناعة بأن الحزب يحاول تجنيب الشعب كوارث إضافية عبر الصراعات التي يمكن أن تنشأ حين يعلن الحزب الشيوعي معارضته للبعث ونظامه السياسي. لقد تحمل الحزب ضحايا كثيرة، وكانت قيادة الحزب كلها معرضة للإبادة، كما حصل في مرات سابقة، وليس كما يقول الدكتور فالح مهدي، أن البعث ساعد على تهريبها. لقد كان هم البعث تصفية القواعد والكوادر أولاً، ثم التوجه صوب ضرب القيادة، إذ كان يدرك بأن البدء بقتل قياديي الحزبيمكن أن تثير ضده ضجة عالمية، كما حصل في العام 1963، ولهذا تجنب ذلك، ولكنه لم يقصر في اعتقال قياديين وكوادر وتعذيبهم ومن ثم قتل بعضهم، وهم من خيرة قياديي وكوادر الحزب. وتحضرني الكثير من الأسماء الذين اعتلقوا في العام 1978 و1979 و1980 ومن استشهد منهم تحت التعذيب أو الاغتيال.

هل في العراق عمال وفلاحون

كتب الدكتور فالح مهدي ما يلي: "لم يبذل الحزب الشيوعي أي جهد لفهم الواقع العراقي والدليل استخدامه الاعتباطي لمصطلحات "عمال وفلاحين"، في بلد لم تولد بعد فيه طبقة عاملة بالمعنى الذي أتى به ماركس!" (الكتاب، ص 193). ولكن الزميل الفاضل لم يحدد عن أي فترة يتحدث، هل يقصد فترة العشرينات أو الثلاثينيات أم الأربعينيات والخمسينات أم الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، أم الوقت الحاضر، إذ إنها فترات متباينة بشأن وجود وحجم وجود العمال والفلاحين في العراق، ومدى صواب أو خطأ الحديث عنهما في أدبيات الحزب الشيوعي العراقي. وإزاء عدم التحديد هذا أجد نفسي ملزماً أن أكتب بشكل مكثف ومختصر عن مختلف الفترات وبالأرقام للإجابة عن السؤال التالي: هل الدكتور فالح مهدي على صواب بهذا الصدد؟ وهل ينبغي للطبقة العاملة في العراق على الشاكلة التي وصفها وحدد معالمها كارل ماركس في القرن الثامن عشر والتاسع عشرفي أوروبا لكي يمكن الحديث عنها كطبقة عاملة والمطالبة بحقوقها؟ أرى بكل تواضع إن الزميل فالح مهدي قد أخطأ بهذا التشخيص المطلق. وتقديري هذاغير ناشئ عن رغبة في معارضة أطروحته، بل من كوني اقتصادي ودَرَستْ الاقتصاد العراقي وبنيته الاقتصادية وتركيبته الاجتماعية، كما دَرَسُّتُ هذه المواد في جامعتي المستنصرية والجزائر، إضافة إلى أبحاثي التي يرد فيها "العمال والفلاحون".  كما اعتمد في قناعتي على الأرقام الواردة في الإحصاء العراقي لفترات مختلفة.

  • اتفق مع الزميل فالح مهدي بأن السيادة في البنية الاجتماعية في العشرينيات من القرن العشرين كانت للفلاحين والبدو،في حين كان العمال قلة في قطاعات التجارة وبعض الخدمات العامة وفي الصناعات الحرفية اليدوية. فالأرقام المتوفرة حسب التوزيع بين الريف والحضر في عام 1919 كان على النحو التالي: الحضر: 688 ألف نسمة في الولايات الثلاث، والريف، بلغ 2،144 ألف نسمة، والمجموع 2,832 ألف نسمة. وتغير في عام 1930 إلى النحو التالي: الحضر: 808 ألف نسمة، والريف 2،480 ألف نسمة، والمجموع 3،288 ألف نسمة في جميع أنحاء العراق. (قارن: حسن، محمد سلمان د. دراسات في الاقتصاد العراقي. دار الطليعة. ط1. بيروت. 1965. ص 164.– الأنصاري، فاضل د. مشكلة السكان- نموذج القطر العراقي. منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي. دمشق. 1980. ص 244. – عيساوي، شارل د. التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب 1800 - 1914. مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت. ط1. 1990. ص 55).

والسؤال هنا ما هو تعريف العامل؟ العامل هو كل شخص يبيع قوة عمله لقاء أجر، وهو مجبر على بيع قوة عمله لصاحب رأس المال لكي يستطيع أن يعيش وأفراد عائلته، كما أن الرأسمالي لا يستطيع أن يشغَّل رأسماله دون أن يشتري قوة عمل العامل التي تنتج له سلعاً فيها ما دفعه من أجر زائداً قيمة إضافية أو زائدة يحققها العامل من خلال استهلاك قوة عمله بأكثر مما يستوجبهالأجر الذي حصل عليه. هذا التعريف عام ويشمل من يعمل في ورشة صغيرة أو في معمل كبير أولاً، وهو تعبير يتميز عن الحديث عن البروليتاريا التي ترتبط بالتقدم التقني وبالشركات الاحتكارية الكبيرة والتي لا تمتلك أياً من وسائل الإنتاج ومجبرة على بيع قوة عملها لتعيش من أجرها والتي تحقق لتلك الشركات فائض قيمة. المشترك بين العامل والبروليتاري هو بيع قوة عملهما لقاء أجر.

منذ الثلاثينيات نشأت في البلاد بدايات تشكل طبقة عاملة في عدة مجالات مهمة: في عمليات التنقيب عن النفط واستخراجه التابعة لشركة نفط العراق، في ميناء البصرة، في السكك الحديد، في إنتاج الطاقة الكهربائية وفي المنشآت الصناعية الحديثة والجديدة العائدة للقطاع الخاص، إضافة إلى العمال في قطاع النقل والتجارة وخدمات أخرى. فقد بلغ إجمالي عدد العمال في عام 1931 حوالي 71،176 مشتغلاً. (قارن: لانگلي، كاثلين م. تصنيع العراق. قارن: مصدر سابق. ص 89. و. أحمد، كمال مظهر د. الطبقة العاملة العراقية. مصدر سابق. ص63).

وفي عام 1938/1939 ارتفع عدد العاملين في المشاريع الصناعية العراقية التابعة للقطاع الخاص إلى 2866 عاملاً، عدا شركات النفط العاملة في العراق والمشاريع الحكومية، ومنها ميناء البصرة والسكك الحديد والكهرباء وغيرها. والمعلومات المتوفرة تشير إلى أن عامي 1954 و1958 قد شهدا نمواً في عدد المنشآت وعدد العاملين في القطاع الخاص وعلى النحو التالي: 1954: عدد المنشآت (294) منشأة وعدد العاملين (38،632) عاملاً؛ 1958 أرتفع عدد المنشآت إلى (310) منشأة وعدد العاملين إلى 39،533 عاملاً، ما عدا منشآت شركات النفط الأجنبية. (راجع: د. صباح الدرة، تطور القطاع الصناعي الخاص في العراق، رسالة دكتوراه، جامعة الاقتصاد، برلين، 1965، ترجمت ونشرت باللغة العربية من قبل الدكتور صباح الدرة نفسه).ونتيجة لتنفيذ مشاريع الاتفاقية العراقية السوفييتية في القطاع الصناعي والتي وقعها الفقيد الأستاذ إبراهيم كبة في العام 1958/1959، فقد بلغ عدد العاملين فيها 14،362 عاملاً.

وبالارتباط مع إجراءات التأميم وتنامي الإيرادات المالية السنوية المتأتية من زيادة استخراج وتصدير النفط الخام وتوجيه موارد مالية جديدة للقطاع الصناعي، بما في ذلك الصناعات العسكرية، فقد ارتفع عدد العاملين في القطاعين العام والخاص بين عامي 1975 و1979، أي سنة بعد قرار التنمية الانفجارية وسنة قبل بدء الحرب العراقية-الإيرانية، على النحو التالي:

القطاع الخاص: بلغ في عام 1975 (41،000) عاملاً، وارتفع في عام 1979 إلى (45،600) عاملاً.

القطاع العام: بلغ في عام 1975 (93،000) عاملاً وارتفع في عام 1979 إلى (135،700) عاملاً.

أي أن مجموع العاملين في عامي 1975 بلغ 134،600 عاملاً، وارتفع في عام 1979 إلى 181،300 عاملاً، أي بزيادة نسبية قدرها 34،7%.                             (Quelle: Al-Durra, Sabah. Zur politischen und oekonomischen Problematik der Entwicklung der einheimischen (privaten) Industrie im Irak. Dissertation. Hochschule fuerOekonomie. Berlin. 1965. S. 62).

ورغم استمرار العمل بخطة التنمية في السنتين الأولى والثانية من الحرب العراقية-الإيرانية، إلا إنها توقفت لصالح جبهات الحرب والمنتوج الحربي وتراجعت تدريجيا أو دمرت بعض المصانع المدنية، ثم أجهز على الكثير منها في حربي 1991 و2003 وبتعمد وإصرار شديدين، إذ كان يراد للعراق أن يعاد إلى عصر ما قبل التصنيع، عل وفق تصريح جيمس بيكر، وزير خارجية الولايات المتحدة في مفاوضاته مع طارق عزيز في جنيف قبل حرب 1991.

ورغم إن العراق لم يكن بلداً صناعياً، بل زراعياً متخلفاً، ولم يكن يمتلك اقتصاداً متوازناً، بل استخراجياً نفطياً ريعياً وحيد الجانب، فأن العراق قد امتلك منذ الأربعينيات طبقة عاملة ناشئة وحديثة ومهمة. ومن المفيد أن نشير هنا إلى مصطلحين هما الطبقة العاملة بذاتها والطبقة العاملة لذاتها التي بحث فيها كارل ماركس. ويمكن القول بأن الطبقة العاملة في العراق على حداثتها كانت ولفترة غير قصيرة طبقة عاملة بذاتها، وكانت في طريق التحول إلى طبقة عاملة لذاتها تدرك مصالحها وتعرف حلفاءها وتناضل من أجل مصالحها. وقد بدأت هذه الظاهرة في الأربعينيات تقريباً حين بدأ النضال من أجل تشكيل النقابات والانخراط فيها والدفاع عنها، إضافة إلى حجم الإضرابات التي كانت تمارسها ولاسيما في فترة الخمسينيات ومن ثم في السبعينيات من القرن الماضي.

وفي النصف الثاني من الثمانينيات والفترة اللاحقة تلقت الطبقة العاملة ضربات قاسية من خلال تدمير المشاريع الاقتصادية، ولاسيما الصناعية، والبنية التحتية التي كانت مجال عملها وتقلص عددها إلى أبعد الحدود وتحول أفراد الكثير منها إلى أشباه بروليتاريا. كما تقلصت في الفترة ذاتها الطبقة البرجوازية العراقية (المتوسطة) لا في الصناعة فحسب، بل وفي القطاعات الاقتصادية الأخرى.

من هنا اشير إلى إنه من الممكن ان يتحدث الحزب الشيوعي العراق أو أي حزب أو شخص آخر عن وجود طبقة عاملة في العراق وليس عن عمال فقط، وأن يدافع عن مصالح العمال. أما بالنسبة للفلاحين فلا مبرر أن أشير إلى وجودهم الكبير، رغم تقلص عددهم في فترات النزوح صوب المدن، أو تجنيد نسبة كبيرة منهم في حروب النظام الدكتاتوري البعثي. ومن حق الجميع أن يتحدثوا عن الفلاحين وأن يدافعوا عن مصالحهم أيضاً، كما هو حق للحزب الشيوعي العراقي.

انتهت الحلقة الثامنة عشرة وستلها الحلقة التاسعة عشرة.