ئەمە بڵاوبكەوە
FaceBook  Twitter  

هل في مقدور الحزب الشيوعي استعادة دوره في الحركة الديمقراطية العراقية؟هذا السؤال دار ويدور في أذهان الكثير من الناس في العراق وفي الخارج ممن واكبوا نشاط ودور الحزب الشيوعي العراقي في العهد الملكي أو في فترات أخرى لاحقة، والتي اقترنت بروح نضالية عالية وقدرة على تجميع الصفوف والدعوة لإقامة الجبهات الوطنية. نجح أحياناً وفشل أحياناً أخرى، مارس سياسات صائبة أحياناً وخاطئة أحياناً أخرى بما في ذلك موضوع التحالفات السياسية مع القوى الأخرى. تعثرت جهوده لتعبئة القوى لمواجهة الأوضاع المزرية التي كانت تواجه الشعب والبلاد بسبب الصراعات بين القوى السياسية الوطنية العراقية في فترة البعث بعد خروجه من تحالف مرير ومضر وخاطئ مع حزب البعث الحاكم، وقوبل بردود فعل متباينة بعد ذلك، ولكنه استطاع أن يتجاوزها ويسترد جزءاً من عافيته في نشاطه السياسي والأنصاري، ويمارس مواقف أكثر صواباً في مواجهة نظام البعث حينذاك.

الحزب الشيوعي هو الحزب الوحيد الذي واصل العمل السياسي منذ تأسيسه في عام 1934 حتى الوقت الحاضر دون توقف أو استراحة. فهو أقدم حزب ما يزال قائما في البلاد أولاً، كما أنه كان الحزب الأكثر تعرضاً للاضطهاد خلال طيلة الفترة المنصرمة وإرهاب الدولة والجماعات المناوئة للديمقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والعقيدة ثانياً، والحزب الذي قدم أكبر وأكثر الضحايا من رفاقه ومحبي الحزب ومؤيدي أفكاره وسياساته ثالثاً، وهو الحزب الذي حصد كراهية وحقد المستعمرين القدامى والجدد وتجار الدين وكل المناوئين للفكر الاشتراكي والحركة الشيوعية في العراق رابعاً.

في الوقت الذي رفض الحزب الشيوعي والكثير من القوى الديمقراطية الحرب الخارجية لإسقاط الدكتاتورية البعثية المجرمة، طالب القوى الديمقراطية وعموم القوى السياسية على النضال لإسقاط الدكتاتورية على ايدي الشعب العراقي وأدان سياسات النظام البعثي وشجبها دون هوادة. ولكن نداءاته لم تنفع، إذ وقفت كل القوى السياسية الأخرى، لاسيما الدينية والقومية إلى جانب الحرب الخارجية بدعوى الخلاص من أسلحة الإبادة الشاملة وبناء الديمقراطية في العراق، بوعود أمريكية أثبتت الأيام خطأها وكذبها في المسألتين. ومنذ إسقاط الدكتاتورية الغاشمة في البلاد عبر حرب خارجية بدون غطاء شرعي دولي مارس الحزب سياسة مزدوجة، جانب منه ضد سياسات بريمر ومقاومتها سياسياً والجانب الآخر ضد الحركة المسلحة لقوى الإسلام السياسي السنية وقوى الإرهاب الدولي. وشارك في المجلس الانتقالي المؤقت باسم الحزب. لم يستطع الحزب الشيوعي التأثير على سياسات بريمر ولا المجلس الانتقالي المؤقت الذي هيمنت عليه الأحزاب الإسلامية الشيعية وتسلمت فيما بعد قيادة الحكم فعلياً وبالتعاون والتنسيق مع القوى والأحزاب الكردية والأحزاب القومية العربية والأحزاب الإسلامية السنية ايضاً. وهنا كان من المفيد والضروري أن ينسحب الحزب منها ليتحول إلى المعارضة وتجميع القوى الديمقراطية لمواجهة سياسات تحولت عملياً ومنذ البدء إلى سياسات طائفية وفاسدة ومقيتة، ولكنه لم يفعل!

لقد ضغط الكثير من العناصر والقوى الديمقراطية على الحزب الشيوعي وقوى مدنية ديمقراطية والشارع الديمقراطي، الذي كان لا يزال ضعيفاً، بأمل تشكيل تحالفات سياسية ديمقراطية. وقد تحقق أحياناً وخبا أحياناً أخرى إلى أن نشأت جبهة "تقدم" بين الحزب الشيوعي العراقي والعديد من التنظيمات الديمقراطية التي كانت ضمن التيار الديمقراطي العراقي العام. وكان هذا مكسباً للحركة الديمقراطية، رغم ضعفها. منذ العام 2011 برزت في العراق حركة مدنية ديمقراطية مهمة تجلت في مظاهرات ساحة التحرير وعموم العراق وتبنت شعارات ضد الطائفية والفساد ومن أجل التغيير. فتعرضت لها حكومة نوري المالكي، هذا المستبد بأمره وبأمر الفقيه الولي في إيران، واعتدت بشراسة لضرب الحركة المدنية واتهامها عبثاً بالبعثية. ولكن الحركة المدنية الديمقراطية فشلت ولم تستطع استعادة زخمها إلا في عام 2014 عندما أُسقط المالكي وتولى زميله في قادة حزب الدعوة حيدر العبادي قيادة الحكومة. الحركة المدنية استمرت في ممارسة دورها والنضال اليومي. ولعبت القوى المدنية دورها في قيام تقدم والتي عقدت مؤتمرها وانتخبت قيادة لها وعول الديمقراطيون عليها كثيراً.   

لكن تنظيم "تقدم" لم يستمر طويلاً، إذ طُرح في الشارع شعار "الكتل التاريخية" التي قصد بها أتباع مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي، على اعتبار أن أغلبهم من الكادحين ولا بد من الاستفادة من قدرته على الحركة والتعبئة والسير معه لكسب الكتلة التاريخية وإجراء إصلاح سياسي في الوضع العام. وفي غفلة من الزمن دخل الحزب الشيوعي في تحالف مع جماعة الصدر بما أطلق عليه "سائرون"، في مقابل كتلة سياسية شيعية كبيرة يقودها رجل واحد يتحكم بسياساتها ولا يمكن معارضته أو حتى نقد سياساته بأي شكل من الأشكال. وعبر هذا التحالف الجديد نُسفت تقدم من أساسها وغابت عن وعي الناس والشارع، لأن الحزب الشيوعي الذي اُعتبر عمودها الفقري تخلى عنها. بوجود الحزب الشيوعي في "سائرون" لم يحصل في الانتخابات إلا على نائبين وكان بإمكانه الحصول عليهما دون "سائرون" في كل الأحوال. ولكنه فقد التعاون مع حلفاءه الأساسيين. وقد حاول العودة وإعادة الحياة لتنظيم مقارب لـ "تقدم" ولم ينجح فعلياً وطرح الحلفاء الديمقراطيون ضرورة الالتزام بشروط التحالف إن اريد له أن ينهض من جدد ولم ينهض حتى الآن.

لقد كان الوضع في العراق ومنذ أشهر يبشر بظهور بوادر نهوض ثوري ضد حكومة عادل عبد المهدي الطائفية الفاسدة التي تم تشكيلها عبر مساومة بائسة ومؤيدة من إيران بين تحالف "سائرون والفتح" (مقتدى الصدر وهادي العامري) وضد النظام الطائفي الفاسد القائم. وفعلاً تفجرت انتفاضة شبابية تعبر عن وعي جديد ومميزعن عمق الأزمة العراقية وسعتها وضرورة تغيير الأوضاع في البلاد، والَّا فالكارثة الأكبر قادمة لا محالة.

وهنا لم يستطع الحزب الشيوعي تلمس نبض الشارع العراقي بسبب انشغاله بالتحالف في إطار "سائرون" والتعويل على دور مقتدى الصدر وما يمكن أن يفعله "تحالف سائرون"، وعجزه عن بلورة دوره المطلوب في الانتفاضة الجديدة بالسرعة الضرورية، فخسر الدور الذي كان في مقدوره ان يفعله في هذه الانتفاضة الشبابية المقدامة والمساهمة في بلورة قيادة لها وليس قيادته لها.

تحت ضغط قاعدة الحزب الشيوعي والحركة المدنية في الداخل والخارج أدرك الحزب التغيرات الحاصلة في الحراك المدني الديمقراطي فتصرف بمنطق ومعقولية مناسبة، ولو متأخرة، حين قدم سكرتير الحزب الرفيق رائد فهمي والرفيقة هيفاء الأمين، الاستقالة من مجلس النواب العراقي، إضافة إلى استقالة نواب مجالس المحافظات أيضا، وكانت خطوة مهمة على الطريق الصحيح. والسؤال العادل المثار في أجواء وشوارع العراق هو: ما هي الخطوة التالية للحزب الشيوعي العراقي؟

لقد رفع الحزب شعار التغيير بدلاً من التركيز على الإصلاح الذي لا رجاء منه، بسبب طبيعة الحكم وسياساته ورغبته في مواصلة المحاصصة الطائفية والفساد. وهو أمر صائب ومناسب. ولكن هل "سائرون" تريد ذلك؟ تشير كل المؤشرات إلى أن مقتدى الصدر لا يريد التغيير الجذري، بل تغيير الحكومة الراهنة وإجراء بعض الإصلاحات التي لا تغير من وضع العراق بأي حال. ولم يبق أمام الحزب سوى التفكير الجاد والمسؤول في العوامل التي دفعته للدخول في "سائرون" والعوامل التي تدفعه اليوم للخروج منها والالتحاق بالكتلة التاريخية الفعلية كتلة الشبيبة المقدامة وليست الكتلة التاريخية المسيرة دينياً وفردياً. كيف يمكن إقناع الحركة الشبابية المتسعة بأن الحزب لصيق بها وبمطالبها العادلة في التغيير؟ لا شك في ان الحزب قد زج اليوم برفاقه ومؤيديه إلى الشارع ليعملوا بحيوية مع بقية المنتفضين وأن يكونا جزءاً منهم وأن يشارك معهم في بلورة القيادة الضرورية للشارع العراقي بدلاً من وجود قيادات عديدة وغير منسقة.

إن من يلقي على مستوى تطور الانتفاضة الشبيبة سيدرك ببساطة بأنها بدأت تنظم وتوحد أمورها وحركتها وشعاراتها، وهي في طريقها إلى بلورة قيادتها الفعلية على مستوى العراق كله، وهي التي ستمنح الانتفاضة قرة على النمو والتطور وكسب المزيد من أبناء الشعب. على من يشارك في الانتفاضة ألَّا يغير من طابعها المستقل عن الأحزاب والقوى السياسية، ولكن من حق كل الأحزاب والقوى الديمقراطية ليس الانخراط فيها فحسب، بل والمساهمة الفعالة فيها، وهي بحاجة إلى خبرة وتجارب القوى السياسية الديمقراطية.

نحن ننتظر موقفاً مميزاً ومتكاملاً وجديداً من جانب الحزب الشيوعي في مواجهة الوضع المأزوم الذي ينتظر الحل، والحل كان وسيبقى بيد الشعب كله، لاسيما شبيبة العراق المقدامة والمصرة على الانتصار وسوف لن تترك الشارع، وهي قادرة على ذلك. لنعمل معاً وجميعاً من أجل انتصار الشبيبة والشعب في هذه المعركة المصيرية لشعب العراق والوطن المستباح. أدعو قيادة الحزب إلى عقد مؤتمر استثنائي لتحديد وجهة الحزب في ضوء الحالة الثورية الجارية وأدعو حضور المزيد من شبيبة العراق وقواعده المناضلة في الشارع ومع المنتفضين. أؤكد على أهمية عقد المؤتمر الاستثنائي وضرورة عقده بالسرعة الممكنة وضرورة تجديد دماء القيادة بالشبيبة التي هي عماد وقوة الحزب ومستقبله.