
مع رحيل يورغن هابرماز، لم يمر الخبر على المثقف العربي كفقدان لآخر عمالقة الفلسفة فحسب، بل أثار انقساما حاداً حول إرثه، فكيف لمن شيّد فعل التواصل وبنى جسور الحوار أن يقف عاجزا عن التعبير أمام مآسينا؟ لقد وجد نبي العقلانية نفسه في اختبار قلق، فالفيلسوف الذي رمّم عاهة نطقه الجسدية ببيان فكري جبار، بدا وكأنه استسلم لصمت مفاجئ حين اصطدمت مبادئه الكونية بمرارة الواقع.
في هذا المقال، لا نسعى لتبرئة هابرماز ولا لإحراق كتبه، بل سنبحث في تلك الصدمة التأسيسية التي جعلته يرى العالم من ثقب المحرقة الألماني، وكيف قرأه العقل العربي، ولماذا نجد أنفسنا اليوم في مواجهة سؤال مرير: هل يمكن للفكر أن يظل عظيما حين يخذل صاحبه الحقيقة؟
يُعد يورغن هابرماز (المولود في 18 حزيران 1929) من أهم الفلاسفة المعاصرين الذين شكّلت تجربة النازية وجراح الحرب العالمية الثانية وجدانهم الفكري والسياسي. فمشروعه الفلسفي بأكمله يمكن قراءته كاستجابة نقدية لمنع تكرار فظائع القرن العشرين، وعلى رأسها الهولوكوست. لم تكن النازية بالنسبة له مجرد حقبة عابرة، بل كانت الصدمة التأسيسية، فالفيلسوف الذي انضم في صباه إجباريا إلى شبيبة هتلر، استيقظ عام 1945 على هول الجرائم النازية، مما ولّد لديه التزاما صارماً بجعل الفلسفة أداة للتحرر.
بدأ هابرماز رحلته في مدرسة فرانكفورت كمن يبحث عن ترياق للعنف، ففي كتابه "التحول الهيكلي للمجال العام (1962) وضع بذور المجتمع المقاوم للدعاية، ليتوج مساره في (1981) بعمل ضخم هو "نظرية الفعل التواصلي"، معلنا أن الحوار الحر هو البديل الوحيد عن الإبادة والسيطرة.
لم تكن معارك هابرماز حبيسة القاعات الأكاديمية الباردة، بل تجلت ذروة نضاله في الثمانينيات من خلال ما عُرف بسجال سجال المؤرخين، فقد وقف بصلابة ضد مؤرخين سعوا إلى تطبيع الماضي النازي عبر مقارنته بجرائم أنظمة أخرى لتخفيف وطأة الذنب الألماني. وفي كتابه ما وراء القومية (1987)، حسم هابرماز موقفه بالتأكيد على أن الاعتراف الكامل بفرادة الهولوكوست هو الأساس الأخلاقي الوحيد الذي يمكن أن تُبنى عليه ألمانيا الجديدة. لقد أراد هابرماز قطع الطريق أمام أي محاولة للتنصل من المسؤولية التاريخية، معتبراً أن مواجهة الذنب هي الحصانة الوحيدة ضد عودة القومية المتطرفة. ومن رحم هذا السجال، خرج مفهومه الشهير الوطنية الدستورية الذي فصله في مؤلفه بين المعايير والوقائع (1992)مؤكدا أن المواطنة الحقيقية لا تقوم على تمجيد العرق أو اللغة، بل على الولاء الصارم للقيم الكونية وحقوق الإنسان التي يصونها الدستور.
حتى في اشتغاله على مؤلفه نحو سلام دائم (1995) و جدلية العلمنة (2005)، ظل هابرماز باحثا عن أرضية أخلاقية تتجاوز الحدود والجغرافيا والأديان. لقد آمن بأن كرامة الإنسان قيمة مطلقة لا تقيدها الانتماءات الضيقة، وهي الرسالة الجوهرية التي استخلصها من ركام الحرب العالمية الثانية وفظائع الهولوكوست، ليتخذ منها منطلقا فكريا يواجه به نزعات العنف والتوحش في العالم المعاصر
لقد حوّل الخزي من الماضي النازي إلى طاقة لبناء مستقبل إنساني، محذرا العالم باستمرار: بعد أوشفيتز، لا يمكن للفلسفة أن تظل كما كانت.
وعلى الرغم من أن هذه الفلسفة نبتت في تربة أوروبية بامتياز، إلا أن السؤال الجوهري الذي يطرحه المثقف العربي اليوم هو: ما الذي يتبقى من هابرماز ليكون صالحا للاستخدام في واقعنا المعقد؟ إن ميراثه الفكري يمثل ترسانة مفاهيمية لا غنى عنها في معارك التحول الديمقراطي العربي، ففكرة المجال العام التي طرحها في كتابه "التحول الهيكلي للمجال العام"، تظل الأداة الأنجع لنقد هيمنة الأنظمة على الفضاءات الحرة، وتفسير كيف يمكن للمواطن أن يستعيد صوته المسلوب.
إن ما يمكن الإفادة منه في العالم العربي هو مفهوم الفعل التواصلي كبديل للصراعات الطائفية والسياسية العبثية. ففي مجتمعات تعاني من استعمار عالم الحياة - بتعبير هابرماز - من قبل السلطة والمال، تصبح الحاجة ملحة لتبني أخلاقيات الخطاب التي تجعل من الحجة والبرهان، لا القوة والنسب، أساسا للشرعية. إن سجالات هابرماز الفلسفية تعيد تذكيرنا بأن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع فحسب، بل هي ثقافة حوار يومية تمارس في المقاهي، والجامعات، والمنصات الرقمية. وهكذا، يظل هابرماز حاضرا في فكرنا العربي، لا كنموذج للاقتداء الأعمى، بل كشريك في الهمّ التحديثي، ومحفز لبناء وطنية دستورية تحترم التنوع الثقافي والديني وتجمعنا على مائدة مواطنة واحدة.
وتكتسب أفكار هابرماز أهمية قصوى عند إسقاطها على الواقع العراقي الراهن وتحديات المنطقة، ففي بلد يعاني من ترسبات المحاصصة والانقسامات المكوناتية، يبرز مفهومه حول الوطنية الدستورية كمخرج تاريخي. إن هابرماز يقدم لنا بديلا عن الهويات القاتلة بتأسيس انتماء لا يقوم على العرق أو المذهب، بل على الولاء لعقد اجتماعي ودستور يضمن حقوق الجميع. في العراق، يمكن لهذه الفكرة أن تتحول إلى مشروع لبناء الدولة المدنية التي تقف على مسافة واحدة من الجميع، محولةً الصراع من غلبة المكونات إلى شراكة المواطنين.
علاوة على ذلك، فإن دعوته إلى أخلاقيات الخطاب تمثل ترياقا لخطاب الكراهية والتزييف الذي يملأ الفضاء العام في المنطقة. إن استعادة "المجال العام" في المدن العربية والعراقية، ليس كساحة للتصادم، بل كفضاء للحوار العقلاني، هو السبيل الوحيد لمحاصرة التوحش والفساد. إننا في المنطقة نحتاج إلى الفعل التواصلي لهابرماز لنبني جسورا بين الضفاف المتباعدة، ولنثبت أن قوة الحجة هي التي يجب أن تسود، لا حجة القوة، وهو الدرس الذي استخلصه هابرماز من أنقاض برلين، ونحتاج نحن لتعلمه ونحن نرمم مدننا ومجتمعاتنا.
رغم هذا الإرث الغني، اصطدمت علاقة هابرماز بالعالم العربي بصخرة خيبة الأمل الفلسفية، فالمفارقة صارخة بين هابرماز المنظر الكوني وهابرماز السياسي الألماني. فبينما شيّد فلسفته على الكرامة الإنسانية المطلقة، مارس في سنواته الأخيرة صمما اختياريا تجاه دماء الفلسطينيين، وكأن أخلاقيات الحوار لديه تتوقف عند حدود القارة العجوز.
لقد شكل "بيان نوفمبر 2023" نقطة انكسار، ففي وقت ترقب العالم العربي موقفا أخلاقيا صلبا من فيلسوف العقل التواصلي، أصدر هابرماز مع زملائه بيانا ركز فيه على حق إسرائيل في الرد وجعل من أمنها ركيزة للثقافة السياسية الألمانية بسبب إرث المحرقة. أما المدنيون الفلسطينيون، فقد حضرت معاناتهم بلغة خجولة وعامة، لم ترقَ لمستوى الإدانة الصريحة للحصار والقصف المكثف. هذا الموقف استدعى ردا حادا من مفكرين مثل آصف بيات وشيلا بن حبيب، الذين رأوا في صمته ازدواجية معايير لا تليق بفيلسوف يدعي الكونية، فكيف يدافع هابرماز بشراسة عن أوكرانيا بينما يتردد ويتحفظ عندما يتعلق الأمر بفلسطين؟
لقد سمح هابرماز للتاريخ الألماني الخاص (التكفير عن النازية) بأن يطغى على الحقوق الإنسانية العامة، ليصبح أسير السياق الذي طالما دعا للتحرر منه. بالنسبة للقارئ العربي، وتحديدا في العراق والمنطقة التي اختبرت ويلات العنف، يمثل هذا الموقف سقوطا لمنظومة الفعل التواصلي عند أول اختبار حقيقي.
وهنا يبرز شعار المثقفين العرب اليوم: نحن نحب هابرماز الفيلسوف، ولكننا نرفض هابرماز السياسي. إننا نواجه معضلة فكرية: كيف نتعامل مع فكر يبني لنا جسور الحرية نظريا، ولكنه يخذلنا أخلاقيا في الممارسة؟ إلا أن الحل لا يكمن في إحراق الكتب أو الكراهية العاطفية، بل في ممارسة النقد الهابرمازي ضد هابرماز نفسه، أي استخدام أدواته في العدالة والكونية لتأديب انحيازه السياسي، والتأكيد على أن الجسر الذي بناه بيديه يجب أن يعبره الجميع، دون استثناء للون أو جغرافيا أو تاريخ.
في كتابها الاستفهامي الشهير (هل ينبغي إحراق كافكا؟)، وضعتنا بديعة أمين أمام معضلة التعامل مع الإرث الإبداعي حين يوصم بالانتماء لمرجعيات أيديولوجية صادمة، حيث سعت للدفاع عن أدبية كافكا في وجه محاولات تجييره صهيونيا. واليوم، يجد المثقف العربي نفسه أمام معضلة مشابهة: هل ينبغي إحراق كتب هابرماز ردا على انكساره الأخلاقي في غزة؟
إن الإجابة تكمن في جوهر الفلسفة الهابرمازية نفسها، فإحراق الكتب هو فعل غير هابرمازي بامتياز، وهو سلوك يعيدنا إلى العصور الظلامية والشمولية التي قضى حياته يحذر منها. نحن لا نحتاج لأن نحب هابرماز لنستفيد من عبقريته، فالتعامل مع الفلاسفة لا يشبه التعامل مع الأصدقاء، بل هو اشتباك نقدي مستمر. لقد قدم لنا هابرماز في نظرية الفعل التواصلي أدوات فكرية جبارة، وبمجرد أن خرجت هذه الأفكار من رأس صاحبها، أصبحت ملكا للإنسانية، ومن حقنا -بل من واجبنا- أن نستخدم منطقه لتحقيق العدالة التي فشل هو في رؤيتها في سياقنا العربي.
إن التاريخ الفلسفي مليء بالتناقضات، من نازية هايدجر إلى عنصرية كانط، لكن العقل النقدي هو الذي يعرف كيف يستخلص الجوهر العقلاني من الفلسفة مع إدانة الموقف السياسي الشخصي للفيلسوف. والرد الأقوى على هابرماز ليس بإهماله، بل بتبني استراتيجية استخدام هابرماز ضد هابرماز، أي استخدام مفاهيمه عن الكرامة الكونية وأخلاقيات الحوار والقانون الدولي لإثبات أن موقفه من فلسطين غير منطقي ومتناقض مع بنيانه الفلسفي.
بالنسبة لنا، كباحثين ومثقفين في منطقة تسعى لإدارة تنوعها وترميم فضاءاتها العامة، يظل هابرماز مرجعا لا غنى عنه. فمفاهيمه حول الوطنية الدستورية تظل الترياق الوحيد للانقسامات الطائفية والعرقية، ونظرياته حول المجال العام هي التي تفسر لنا لماذا يسود العنف في حواراتنا بدلا من الحجة.
إن صدمتنا في مواقفه الأخيرة هي في الحقيقة شهادة له لا عليه، فهي دليل على أننا آمنا بكونية مبادئه أكثر مما آمن هو بها في لحظة ضعف سياسي أمام عقدة الذنب الألمانية. لذا، لن نحرق كتبه، بل نقرأها بعين ناقدة، نأخذ منها ما يبني مجتمعاتنا، وننبذ منها ما كان أسيرا للمركزية الأوروبية. إننا نتعامل مع هابرماز كشركاء في الإنسانية، نحاكمه بمبادئه التي علّمها للعالم، مؤكدين أن الفكرة العظيمة دائما ما تتجاوز صاحبها لتصبح ملكا لمن يحسن استخدامها كآلية لتحقيق الإنصاف وإدارة التنوع.
عن جریدة المدی