تعد قضية الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي AI واحدة من اكثر القضايا اشكالية وحساسية في راهن البشرية. فقد تركت هذه التقنيات تاثيرا مباشرا وعميقا على وعي الانسان، اساليب التفكير، توجيه الراي العام، بل وحتى التلاعب بالرغبات والميول الكامنة. اضافة الى ذلك، احدثت تاثيرا بنيويا على نمط الحياة الاجتماعية، وعلى المستويين النفسي والسوسيولوجي، وعلى طبيعة الصراع الطبقي ذاته.

في الوقت الراهن، تستخدم الثورة الرقمية والاعلام الجديد، في ظل الهيمنة الرأسمالية العالمية، كادوات فاعلة لانتاج "الانسان المستخدم" وتعزيز ثقافة الاستهلاك. هذه العملية تتناقض مع اسس العدالة والمساواة والقيم الجوهرية للفكر اليساري. فالنظام الرأسمالي، عبر نشر "وعي زائف" واضفاء الشرعية على حياة سطحية ولذات وقتية، يسعى الى تحويل كل شيء الى سلعة، واخضاعه لخدمة الشركات العملاقة.

في هذا السياق، وللاسف، لا بد من الاعتراف بحقيقة ان اليسار، بشكل عام وفي كردستان بشكل خاص، قد ترك هذا الميدان الحيوي شاغرا امام القوى الرأسمالية والليبرالية والمحافظة. من هنا، فان قوى اليسار لا تعاني فقط من التخلف عن هذا المسار، بل تواجه خطر التهميش الكامل اذا لم تسارع الى تدارك الامر.

ضمن هذا الاطار، يشكل بحث الرفيق رزكار عقراوي المعنون:
الذكاء الاصطناعي الرأسمالي، تحديات اليسار والبدائل الممكنة
مرجعا نظريا مهما لفهم هذا الواقع، ولصياغة خريطة طريق علمية لمشروع يساري رقمي.

انطلاقا من اهمية هذا الموضوع، عقد المكتب الاعلامي للحزب الشيوعي الكردستاني في مطلع هذا الاسبوع مؤتمرا خاصا تحت عنوان:
نحو التغيير وتعزيز الاعلام الرقمي اليساري.
وتعد هذه الخطوة بداية لطرح جملة من المتطلبات الراهنة، لا سيما اصلاح الرؤى واليات العمل، تجديد اسلوب ومضمون الخطاب السياسي، وتقديم حلول واقعية لازمات المجتمع عبر المنصات الرقمية.

ان نجاح هذا المشروع مستحيل من دون اشراك طاقات الشباب، تطوير القدرات البشرية، واستخدام لغة بسيطة ومعاصرة لايصال الرسائل. فالاعلام اليساري يجب ان يكون جسرا للتواصل مع الجماهير، لا مجرد اداة لنشر البيانات. ومن المهم التشديد على ان هذه التحولات لا تعني الاستسلام للعالم الافتراضي او الذوبان في شبكات التواصل الاجتماعي، بل تمثل مسارا جديدا للوصول الى واقع متغير، وتعزيز النضال داخل ساحات الصراع الطبقي.
تشكل هذه القضية جزءا لا يتجزا من جهود اليسار للتجديد، الاصلاح، والانفتاح، بهدف تحمل مسؤولية سياسية واجتماعية اكبر، في زمن حولت فيه الرأسمالية كل شيء الى سلعة.

وفي الختام، فان التغيير وتقديم البدائل في واقعنا الراهن لا ينبغي ان يقتصرا على الشعارات. بل هما عملية طويلة الامد، تتطلب نفسا طويلا، عملا متواصلا، والكشف عن مواطن الضعف ومعالجتها، وهو مسار يجب ان نبدأه بشجاعة من داخلنا.