قراءة في بيان شركةPalantirTechnologiesبالانتير

رزكارعقراوي

البيان الذي نشرته شركة” بالانتيرليس وثيقة تقنية، ولا رؤية اقتصادية. هو وثيقة سياسية صريحة تعلن عن مرحلة جديدة في مسيرة الرأسمالية الرقمية، مرحلة تخلت فيها عن ادعاء الحياد، وقررت أن تنزع قناعها وتظهر بوجهها الأيديولوجي الكامل. و”بالانتير”ليست حالة معزولة في المشهد التقني العالمي، إنها واحدة من شركات تكنولوجية كبرى تبيع تقنياتها لأنظمة القمع وانتهاك حقوق الإنسان، وقد أدانتها منظمات حقوق الإنسان الدولية، من بينها منظمة العفو الدولية وهيومنرايتسووتش، لتورطها في تمكين الترحيل القسري والمراقبة الجماعية وملاحقة المعارضين. والأكثر إدانةً أن تقارير موثقة كشفت عن شراكة مباشرة بين هذه الشركة، إلى جانب شركات تقنية غربية أخرى كغوغل وأمازون ومايكروسوفت، والجيش الإسرائيلي، حيث وفرت منظومات بيانات واستهداف استخدمت في العمليات العسكرية على غزة، مما جعلها شريكاً فعلياً في جرائم الحرب الموثقة بحق المدنيين الفلسطينيين. وهي في ذلك لا تختلف في جوهرها عن شركات رأسماليةرقميةاحتكارية كبرى أخرى تمارس الأمر ذاته بأشكال مختلفة ودرجات متفاوتة من الصراحة.

إنه إعلان طبقي عن مشروع تحالف فاشي رقمي لا يستند على العنف التقليدي وحده، بل على الرقابة والقمع الرقمي وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام وقمع المعارضة بطرق غير محسوسة ولكن بالغة التأثير. تحالف لا تبقى جرائمه في دوائر النخبة ومكاتب الشركات، بل تمتد إلى ميادين الحرب وأجساد المدنيين، وتجسد اليوم بأوضح صوره في الترامبية وتحالفاتها وجرائمها وحروبها العدوانية.

 

  1. من وادي السيليكون إلى البيت الأبيض: التحالف العضوي

لفهم بيان” بالانتير”خارج سياقه المعزول، لا بد من استحضار صورة التحالف الذي تشكل خلال السنوات الأخيرة بين قطاع من النخب التكنولوجية ومشروع اليمين القومي المتطرف. بيتر ثيل، المؤسس المشارك لـ”بالانتير”والداعم الأكبر لمسيرة ترامب السياسية، حيث ليس مجرد رجل أعمال يدعم مرشحاً سياسياً. هو العقل الأيديولوجي الذي يمنح هذا المشروع منطقه السياسي، ويرى في الديمقراطية التقليدية النسبية الموجودة عائقاً أمام مشروع النخبة التقنية، والذي صرح علناً بأن الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية التقليدية غير متوافقتين. هذا التحالف ليس صدفة، أو تقاطعاً عابراً، إنه تلاقٍ موضوعي بين مشروعين يشتركان في هدف واحد: تركيز السلطة في يد طغمة مالية وسياسية تعتقد بامتلاكها "حقاً طبيعياً" في إدارة مجتمعاتها والمجتمعات الأخرى.

هذا التحالف يجد اليوم ترجمته المؤسسية فيما يعرف بحركة التسارع التكنولوجي التي تضم إيلون ماسك وجيف بيزوس ومارك زوكربيرغ وغيرهم، الذين صاروا يتحركون بشكل منسق مع إدارة ترامب الثانية. لا يجمعهم تطابق أيديولوجي كامل، ما يجمعهم هو الموقع الطبقي والمصلحة المشتركة: القضاء على أي قيد تنظيمي أو ديمقراطي يحد من قدرتهم على التراكم والهيمنة وتوسيع السيطرة.

 

  1. البيان الـ 22 نقطة: قراءة في المضمون الطبقي

نشرت” بالانتير”ما وصفته بملخص لكتاب رئيسها التنفيذي ألكسندر كارب بعنوان "الجمهورية التكنولوجية"، وسط تفاعل عالمي واسع وغضب سياسي متصاعد تجاوز عشرات ملايين المشاهدات خلال أيام. لكن الغضب يجب ألا يكتفي برد الفعل العاطفي، لأن البيان في جوهره خارطة طريق طبقية تستحق قراءة يسارية دقيقة تذهب إلى ما هو أعمق من الاستنكار.

البيان يحتوي على 22 نقطة، بنيت بوعي معماري دقيق لا بعشوائية. فثمة نقاط تبدو في ظاهرها معتدلة أو إنسانية، كالدعوة إلى التسامح مع السياسيين في حياتهم الشخصية، أو عدم الابتهاج بهزيمة الخصم. هذه النقاط ليست بريئة ولا عرضية، هي الواجهة المحسوبة التي تستمال بها القارئ-ة المتردد وتمنح البيان صورة "متوازنة" قبل أن يكشف وجهه الحقيقي. هذا ما تسميه الدراسات الأيديولوجية بنية الموافقة المصنوعة: تعطيك جرعة من الكلام المعقول لتبتلع معها الجرعة السامة. ولهذا فإن ما يبدو من البيان منطقياً ليس دليلاً على توازنه، بل دليل إضافي على مكره.

غير أن هذه النقاط توظف جميعها كغطاء لتمرير أجندة أيديولوجية متكاملة تربط كل هذه المخاوف بمشروع التسليح والهيمنة والتراتبية الحضارية. لذلك سأتوقف عند النقاط الأكثر كشفاً للمضمون الطبقي والأيديولوجي الحقيقي لهذا المشروع، وسأتعرض إلى المفاهيم الأخرى في سياق النص.

 

  1. العسكرتارية، التجنيد الإجباري، السيطرة، العنصرية

 

النقطة الأولى تؤكد أن "النخبة الهندسية في وادي السيليكون ملزمة أخلاقياً بالمشاركة في الدفاع عن الأمة". هذا التأطير الأخلاقي ليس بريئاً. حين يقدم التعاقد العسكري والأمني كـ” واجب أخلاقي"، يتحول الضغط الاجتماعي إلى آلية لإلزام المهندسين والمبرمجين بخدمة منظومة الحرب والقمع، ويسكت كل صوت معارض داخل الشركات التقنية باسم "الوطنية". هذا تحويل للضمير الفردي إلى سلعة في خدمة الدولة العسكرية والأمنية ومؤسساتها القمعية والتجسسية.

النقطة الثانية تدعو إلى "التمرد على طغيان التطبيقات"، أي رفض التكنولوجيا الاستهلاكية لصالح منظومات أمنية وعسكرية أعمق. هذا ليس نقداً للرأسمالية الاستهلاكية كما قد يبدو، إنه دعوة لإعادة توجيه الكفاءة التقنية نحو آلة الحرب والمراقبة بدلاً من السوق الترفيهية.

النقطة الخامسة تقرر أن "السؤال ليس إن كانت أسلحة الذكاء الاصطناعي ستبنى، السؤال هو من سيبنيها". هذا المنطق الحتمي المغلق يهدف إلى إسقاط أي نقاش حول رفض التسليح التكنولوجي من الجذور. حين يصاغ الخيار على شكل: "نحن أو العدو"، تلغى إمكانية قول "لا للسلاح أساساً". إنه المنطق ذاته الذي استخدمته إدارات الحرب الباردة لإسكات حركات السلام وتقييد التنظيمات اليسارية، وها هو يعود في حلة رقمية.

النقطة السادسة تطالب بأن تكون "الخدمة الوطنية واجباً عاماً"، وتدعو إلى إعادة النظر في نظام الجيش المتطوع لصالح التجنيد الإلزامي. هذه الدعوة تكشف بجلاء الوجه الفاشي الكلاسيكي للبيان: حين تعجز الدولة الرأسمالية عن إنتاج رغبة طوعية في الانخراط في حروبها، تلجأ إلى الإكراه المؤسسي وتسميه "مسؤولية مشتركة". والأكثر دلالةً أن الشركة التي تطالب الشباب بتقديم أرواحهم للدفاع عن "الغرب" تجني في الوقت ذاته مليارات الدولارات من عقود الحروب التي يموت فيها هؤلاء الشباب. الواجب للجميع، والأرباح للأقلية.

النقطة السابعة عشرة تؤكد أن "وادي السيليكون يجب أن يؤدي دوراً في مواجهة الجريمة العنيفة". هذا الطرح يبدو براغماتياً في ظاهره، غير أنه في جوهره توسيع لصلاحيات الشركات الأمنية الخاصة لتتجاوز دور الدولة وتتحول إلى قوة ضبط اجتماعي مستقلة، تعمل بمنطق الربح لا بمنطق القانون والقضاء المستقل والمساءلة الديمقراطية.

النقطة العشرون تطالب بـ"مقاومة التعصب المنتشر ضد الإيمان الديني". هذه النقطة لا تنبع من دفاع حقيقي عن حرية الاعتقاد، إنها توظيف انتهازي للخطاب الديني لبناء تحالف أيديولوجي مع التيارات المحافظة والدينية الأكثر قابلية للتعبئة خلف مشاريع الحرب. التاريخ يعلمنا أن كل مشروع فاشي احتاج إلى تحالف مع المؤسسة الدينية ليضفي على العنف طابعاً مقدساً، وهذا ما تسعى إليه هذه النقطة تحت غطاء "حرية الإيمان".

النقطة الحادية والعشرون هي الأكثر إفصاحاً عن البعد الأيديولوجي العميق، حين تقرر أن "بعض الثقافات أنتجت تقدماً حيوياً بينما لا تزال أخرى معطلة ورجعية". هذه الجملة ليست رأياً ثقافياً عابراً، إنها الأساس النظري للعنصرية الاستعمارية الحضارية التي تبرر الهيمنة والاحتلال وقتل الشعوب تحت غطاء "الإدارة العقلانية للحضارة". لا يختلف هذا المنطق جوهرياً عن " الرجل الأبيض" الذي برر الاستعمار في القرون السابقة، ويعاد إنتاجه اليوم بلغة الخوارزميات والبيانات الضخمة. وما يجعله أشد خطورة من سابقه أنه لا يحتاج إلى قوات استعمارية مرئية، يكتفي بقاعدة بيانات وخوارزمية استهداف.

  1. الترامبية كمنظومة، لا كشخص

الخطأ الشائع هو اختزال الترامبية في شخص دونالد ترامب. الترامبية مشروع طبقي متكامل يجمع رأس المال المالي القومي مع الوطنية الشوفينية والعداء للمهاجرين والأقليات، وأحيانا الخطاب الديني، وهي في جوهرها تعبير عن أزمة الرأسمالية حين تعجز عن إعادة إنتاج الوهم الليبرالي لجمهورها، فتلجأ إلى الخطاب القومي العدواني لصرف الأنظار عن التناقضات الطبقية الحقيقية. ما يفعله بيان” بالانتير”هو ربط رأس المال الرقمي الاحتكاري بهذا المشروع، وتزويده بالأداة التكنولوجية اللازمة لتحويله من خطاب سياسي انتخابي إلى منظومة سيطرة فعلية.

التعاون الموثق بين” بالانتير”ومؤسسات الهجرة والأجهزة الأمنية في تتبع المهاجرين وترحيلهم هو نموذج عملي لهذا التحالف. التكنولوجيا هنا لا تستخدم لخدمة "الأمن" بالمعنى المحايد، إنها تستخدم لتنفيذ سياسات قمعية وعنصرية بكفاءة تشغيلية عالية. الأداة الرقمية تجعل القمع أسرع وأدق وأقل حاجة للتبرير العلني.

  1. الإقطاع والرأسمالية الرقميةوالمرحلة الفاشية

كما طرحت سابقاً في تحليلاتي للرأسمالية الرقمية، نحن نعيش مرحلة الإقطاع الرقمي المتقدم حيث تحتكر الشركات الكبرى البنية التحتية الرقمية وتفرض شروطها على المستخدمين والمستخدمات، تماماً كما كان الإقطاعيون يحتكرون الأراضي ويتحكمون بالفلاحين. غير أن ما يكشفه بيان” بالانتير”هو أن هذا الإقطاع الرقمي يدخل الآن مرحلته الفاشية، أي المرحلة التي لا يكتفي فيها رأس المال بالاستغلال الاقتصادي الصامت، ويتجه نحو التعبئة والسيطرة السياسية والأيديولوجية الصريحة لحماية نظامه من أي تهديد.

في ظل الرأسمالية الرقمية، لم يعد شغيلات وشغيلة اليد والفكر التقليديون وحدهم ضحايا الاستغلال. كل مستخدم وكل مستخدمة ينتج بيانات يومية تحول إلى مادة خام لإنتاج فائض القيمة دون مقابل. الأقنان الرقميون يعملون في منظومات لا يملكونها ويخضعون لقواعدها دون قدرة حقيقية على التأثير فيها. وما يضيفه البيان إلى هذه الصورة هو التسليح: هذه المنظومات الاستغلالية ذاتها توجه الآن نحو تأطير العقل البشري، والحروب، وقمع وتقييد المعارضة، والترحيل القسري، وإدارة أنظمة السيطرة الأمنية.

  1. خوارزميات الموت

لا يمكن قراءة هذا البيان بمعزل عما يجري في الحروب المعاصرة. كشفت تقارير موثقة أن” بالانتير”أسست شراكات استراتيجية مع جيوش ومؤسسات أمنية، لبناء قواعد بيانات استهداف تستخدم فعلياً في العمليات العسكرية. هذا ليس احتمالاً نظرياً، هذه ممارسة يومية موثقة: خوارزميات تحول حياة البشر إلى نقاط بيانات، ونقاط البيانات إلى أهداف عسكرية. في فلسطين، وثقت تقارير صحفية واستقصائية استخدام أنظمة ذكاء اصطناعي في بناء قوائم الاستهداف التي أسفرت عن مجازر بحق المدنيين في غزة. في فنزويلا وإيران وغيرهما من الدول التي تصنفها واشنطن "تهديداً"، تستخدم منظومات المراقبة والبيانات لدعم العسكرتارية والعدوان والحروب الخارجة عن القانون الدولي.

ما تسميه الشركة "نظام الاستهداف الذكي" هو على أرض الواقع آلة لإدارة القتل بكفاءة صناعية. القتل لا يحتاج إلى قرار بشري مسؤول، يحتاج إلى خوارزمية وبيانات كافية وضوء أخضر من جهاز لا يخضع لأي مساءلة ديمقراطية. هذا هو التطبيق الميداني لما يسميه البيان "القدرة على اتخاذ القرار في الوقت الحقيقي"، حيث تتخذ قرارات القتل بشكل فوري ضمن منظومات تقنية مغلقة.

والأهم في هذا السياق أن استخدام هذه الأنظمة لا يمكن فصله عن الخطاب الذي يبرر تصنيف مجتمعات كاملة باعتبارها متخلفة أو تهديداً. الجريمة لا تبدأ بالقنبلة، تبدأ بالتصنيف. حين تعرف مجتمعات بأكملها كخطر، تتحول عمليات قتل المدنيين واستهدافهم إلى "إدارة أمنية" لا إلى جرائم وابادة جماعية يجب مساءلة مرتكبيها.

  1. وهم الحياد التكنولوجي،الرقابة الذاتية والقمع الرقمي كأداة سيطرة

خطورة النموذج الذي تبنيه” بالانتير”لا تكمن فقط في تطبيقاته العسكرية المباشرة. الأشد خطورة هو ما يمكن وصفه بـ"مجتمع المراقبة"، أي حين تصبح السيطرة داخلية لا خارجية. حين يعرف الفرد أنه مراقب في كل لحظة، ويشعر بأن كل تفاعله الرقمي يسجل ويحلل، يبدأ في فرض رقابة على نفسه. يعدِل خطابه، يتجنب الموضوعات الحساسة، يبتعد عن الأفكار المعارضة الجذرية. هذه المراقبة الذاتية الطوعية تقيد وتضعف الحركات اليسارية والتقدمية والتنظيمات العمالية والجماهيرية من الداخل دون الحاجة إلى اعتقال وقيود مباشرة.

ولهذا فإن دعوة البيان إلى "فهم عميق للسلوك البشري" كشرط للأمن هو في الواقع دعوة إلى بناء منظومة متكاملة لتعطيل الفعل السياسي الجماعي قبل نشوئه. التنبؤ بالسلوك الاحتجاجي وتفكيكه مسبقاً قبل أن يتحول إلى حركة منظمة هو الحلم الذي طالما راودت به الأجهزة الأمنية، وتكنولوجيا” بالانتير”تقترب من تحقيقه.

من أبرز آليات البيان الأيديولوجية اعتماده على منطق الحتمية المغلقة. "لن يكون هناك حياد تكنولوجي"، "أسلحة الذكاء الاصطناعي"، "الديمقراطيات لا تستطيع الاعتماد على الخطاب الأخلاقي". هذا الأسلوب يهدف إلى تحويل الخيارات السياسية إلى وقائع طبيعية لا مفر منها، وإسقاط أي تساؤل عن طبيعة النظام القائم من دائرة النقاش المشروع. إنه الأسلوب ذاته الذي استخدمه النيوليبراليون حين أعلنوا في التسعينيات أن "الرأسمالية هي نهاية التاريخ". الآن يعود المنطق ذاته بصياغة أمنية: لا خيار سوى التسليح الرقمي.

هذه الحتمية ليست وصفاً محايداً للواقع، هي تكتيك لتفريغ السياسة من محتواها. حين تقنعك بأنه لا بديل للرأسمالية، تتوقف عن البحث عن بديل. وهذا هو الهدف الأساسي من وراء هذه اللغة.

  1. البديل اليساري، مسألة الملكية والرقابة الجماعية

بيان” بالانتير”جرس إنذار صاخب يجب أن تسمعه القوى اليسارية والتقدمية بكل وضوح: المعركة على مستقبل التكنولوجيا لم تعد كامنة في الكواليس، وقد خرجت إلى العلن معلنةً عن نفسها بلا خجل. من يتأخر في استيعاب هذا التحول يتأخر عن ميدان الصراع الأكثر حسماً في هذا القرن.

المسألة الجوهرية ليست في كيفية استخدام التكنولوجيا، إنها مسألة من يملكها ومن يحدد أهدافها. لن تتحول التكنولوجيا إلى أداة تحرر طالما بقيت في يد الاحتكارات الرقمية المتحالفة مع مشاريع اليمين والحرب والقمع. أي نقاش جدي يجب أن ينطلق من ضرورة الملكية الجماعية المجتمعية للبنية التحتية الرقمية، ومن إخضاع الخوارزميات والذكاء الاصطناعي لرقابة ديمقراطية حقيقية تمثل مصالح الجماهير العاملة لا النخب الاحتكارية.

هذا يتطلب من قوى اليسار والقوى التقدمية والحقوقية التعامل مع ساحة التكنولوجيا بجدية كاملة كميدان مهم للصراع طبقي. لا يكفي إنتاج النقد الفكري، مهما كان مهماً، دون بناء بدائل تكنولوجية فعلية بتنسيق وعمل مشترك من خلال أمميات رقمية: منصات تواصل لا تخضع للاحتكار والتقييد والقمع، أدوات بحث تحترم خصوصية المستخدمين والمستخدمات، أنظمة ذكاء اصطناعي تدار بشكل ديمقراطي وشفاف وغيرها من التطبيقات الرقمية. هذه ليست مشاريع ترفيهية للمستقبل، هي ضرورة استراتيجية راهنة لأي مشروع تحرري جاد.

 

  1. إضافة ضرورية: نزع السلاح التكنولوجي كشرط مسبق

غير أن بناء البدائل وحدها لا يكفي ما لم يقرن بحملة منظمة لنزع السلاح التكنولوجي من أيدي هذه الاحتكارات. تجدر الإشارة هنا إلى أن” بالانتير”ليست حالة استثنائية أو شذوذاً في المشهد التقني، هي النموذج الأكثر صراحةً وجرأةً في التعبير عما تمارسه شركات أخرى كثيرة بصمت أكبر وخطاب أكثر ليونة. ما يجعلها نقطة تركيز في هذا التحليل هو أنها كشفت ما اعتادت غيرها إخفاءه، لا أنها تختلف عنها في الجوهر. المنظومة واحدة، والاستثناء هو درجة الصراحة فحسب.

تماماً كما ناضلت الحركات العمالية التاريخية من أجل نزع سلاح رأس المال في المصانع والمزارع، اليوم لا بد من نضال مماثل لانتزاع الخوارزميات القاتلة وأنظمة الاستهداف والمراقبة الجماعية من قبضة هذه الشركات مجتمعةً. هذا النضال يتخذ أشكالاً متعددة: مقاطعة خدماتها، كشف عقودها السرية مع الحكومات، مقاضاة مسؤوليها أمام المحاكم الدولية بتهمة التواطؤ في جرائم حرب، والضغط على المؤسسات العامة لقطع علاقاتها مع هذه الشركات. كل عقد حكومي مع هذه المنظومة هو تمويل مباشر لآلة القتل والترحيل. إيقاف هذا التدفق المالي هو خط المواجهة الأول.

ولا يكتمل هذا المسار دون العمل على المستويين التشريعي المحلي والدولي في آنٍ معاً. على الصعيد المحلي، لا بد من الضغط من أجل سن قوانين صارمة تلزم شركات التكنولوجيا الأمنية بالشفافية الكاملة في عقودها مع الحكومات، وتجرم استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في الاستهداف العسكري، والقمع، وتفرض على هذه الشركات الخضوع لمعايير المساءلة ذاتها التي تخضع لها المؤسسات العامة. على الصعيد الدولي، يجب العمل على إخضاع هذه الشركات لمواثيق حقوق الإنسان العالمية، ولا سيما اتفاقيات جنيف التي تحرم الاستهداف العشوائي للمدنيين، وميثاق الأمم المتحدة الخاص بحماية البيانات الشخصية، والمبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان. شركة تبني قواعد بيانات الاستهداف في مناطق الحرب لا يجوز أن تعمل خارج هذه المنظومة القانونية، وإن فعلت فإن الحكومات التي تتعاقد معها تتحمل المسؤولية الجنائية المشتركة. هذا ليس مطلباً إصلاحياً ترفياً، هو الحد الأدنى الذي تفرضه إنسانية القانون في مواجهة لاإنسانية الخوارزمية الرأسمالية.

  1. إضافة ثانية: كشف الصمت العمالي في قلب البيان

واللافت في بيان” بالانتير”، بل والمثير للريبة، أنه لا يذكر كلمة واحدة عن العمال، عن النقابات، عن حق التنظيم، عن الإضراب. في وثيقة تتحدث عن "النخبة الهندسية" و"الواجب الأخلاقي" و"الثقافات المتخلفة"، لا مكان لشغيلات وشغيلة اليد والفكر التي تبني هذه الخوارزميات وتشغلها وتعيش تحت وطأة المراقبة ذاتها. هذا الصمت ليس عابراً. إنه اعتراف ضمني بأن المشروع التكنولوجي الفاشي لا يمكنه أن يواجه سؤال العمال، لأن العمال وحدهم، إذا نظموا أنفسهم، قادرون على إيقاف خطوط إنتاج الموت بالكامل. الإضراب العام في وادي السيليكون، أو حتى في مصانع ومكاتب” بالانتير”نفسها، هو كابوس هذا المشروع. ولهذا فإن دعم نقابات عمال التكنولوجيا، وربط نضالها بنضال عالمي، هو عمل مقاومة من الدرجة الأولى.

ولا يمكن فصل هذا النضال التكنولوجي عن النضال الجماهيري الميداني. التكنولوجيا أداة داعمة للنضال لا بديل عنه. القوة الحقيقية تبقى في التنظيم السياسي والعمالي والجماهيري، في النقابات والحركات الاجتماعية، في التضامن الأممي بين الجماهير الكادحة من هذه المنظومة سواء في الحروب، وعلى الحدود، أو في أحياء العمال المراقبين بخوارزميات لا تحتاج إذن أحد.

خلاصة، الفاشية الرقمية اسمها الحقيقي

بيان” بالانتير”يكشف بوضوح أننا أمام شكل جديد من أشكال الفاشية، لا بالمعنى التاريخي الضيق فحسب، بل بمعناه الجوهري: تحالف رأس المال الاحتكاري مع السلطة السياسية القومية العدوانية وتوظيف العنف والقمع والتراتبية الحضارية لحماية هذا التحالف من أي تهديد شعبي. وما يميز هذه المرحلة ان الادوات الرئيسية لهذه الفاشية لم تعد تقليدية فقط، بل باتت تعتمد على الخوارزميات والبيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، الامر الذي يجعلها أكثر احكاما وقدرة على السيطرة، وأصعب مقاومة مقارنة بالأشكال السابقة.

حين ينتهي ألكسندر كارب من كتابة بيانه الفلسفي في مكتبه الأنيق، تواصل الخوارزميات التي بنتها شركته عملها في تحديد الأهداف، وتتبع المهاجرين على الحدود، وبناء قواعد بيانات المعارضين حول العالم، ودعم ماكنةالعسكرتارية والقمع في العالم. الفلسفة والجريمة هنا وجهان لعملة واحدة.

النضال من أجل العدالة الاجتماعية والتحرر اليوم يمر حتما وبدرجة مهمة عبر النضال من أجل تحرير التكنولوجيا من هذا التحالف الطبقي العدواني. هذه ليست قضية تقنية أو قضية أخلاقية مجردة. إنها قضية سياسية طبقية بامتياز، وجزء من صراع تاريخي حول من يملك السيطرة على المستقبل والوعي البشري: الأقلية الاحتكارية المتحالفة مع مشاريع القتل والقمع، أم الجماهير الكادحة التي يجب أن تفرض سلطتها على الأدوات التي تشكل حياتها ومصيرها.

المصادر والمراجع

أولاً: المصدر الأساسي — بيان بالانتير

  1. شركةPalantir Technologies — الجمهورية التكنولوجية، في سطور(منشور رسمي على منصة X، أبريل 2026https://x.com/PalantirTech/status/2045574398573453312
  2. كارب، ألكسندر س. وزاميسكا، نيكولاس و. — الجمهورية التكنولوجية: القوة الصلبة، والمعتقد اللين، ومستقبل الغرب. Crown Currency، نيويورك، 2025. https://techrepublicbook.com

 

ثانياً: التقارير الصحفية والتحليلات حول البيان

  1. الجزيرة الإنجليزية — "التكنو-فاشية؟ لماذا أثار 'بيان' بالانتير المؤيد للغرب قلق المنتقدين"،21 أبريل 2026. https://www.aljazeera.com/news/2026/4/21/technofacism-why-palantirs-pro-west-manifesto-has-critics-alarmed
  2. TechCrunch — "بالانتير تنشر بياناً مصغراً يدين الشمولية والثقافات 'الرجعية'،" 19 أبريل 2026. https://techcrunch.com/2026/04/19/palantir-posts-mini-manifesto-denouncing-regressive-and-harmful-cultures
  3. Engadget — "بالانتير نشرت بياناً يبدو كهذيان أحد أبطال الشر في قصص مصورة،"أبريل 2026. https://www.engadget.com/big-tech/palantir-posted-a-manifesto-that-reads-like-the-ramblings-of-a-comic-book-villain-181947361.html
  4. TRT World — "الإنترنت يغلي غضباً من بيان بالانتير التقني الديستوبي،"أبريل 2026. https://www.trtworld.com/article/e3c96555543c
  5. Reason — "البيان الجديد لبالانتير يطالب بإعادة التجنيد الإلزامي،" 20 أبريل 2026. https://reason.com/2026/04/20/this-big-tech-firm-wants-to-reinstate-the-draft

 

ثالثاً: تقارير حقوق الإنسان حول بالانتير وتواطؤ شركات التكنولوجيا الكبرى في غزة

  1. منظمة العفو الدولية (Amnesty International) — تقرير حول الاقتصاد السياسي العالمي الذي يمكن الإبادة الجماعية الإسرائيلية، مع تسمية بالانتير ضمن المساهمين الرئيسيين، سبتمبر 2025. https://www.democracynow.org/2025/9/18/amnesty_international
  2. Truthout — "منظمة العفو تدعو الدول إلى قطع الدعم عن الاقتصاد الداعم لإبادة إسرائيل الجماعية،"سبتمبر 2025. https://truthout.org/articles/amnesty-calls-for-states-to-pull-the-plug-on-economy-backing-israels-genocide
  3. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "بالانتير يزعم أنها تمكن إسرائيل من الاستهداف بالذكاء الاصطناعي في غزة، مما يثير مخاوف من جرائم حرب."https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/palantir-allegedly-enables-israels-ai-targeting-amid-israels-war-in-gaza-raising-concerns-over-war-crimes/
  4. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "أمازون وغوغل ومايكروسوفت تغذي العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة، كشف التحقيق،"فبراير 2025. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/amazon-google-microsoft-fuel-israeli-military-aggression-in-israels-war-on-gaza-investigation-reveals/
  5. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "غوغل وأمازون ومايكروسوفت متورطة بزعم في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة."https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/google-amazon-microsoft-allegedly-complicit-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/
  6. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "غوغل لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،"أبريل 2025. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/google-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/
  7. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "أمازون لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،"أبريل 2025. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/amazon-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/
  8. مركز الموارد المعنية بالأعمال وحقوق الإنسان — "مايكروسوفت لم ترد على الاتهامات المتعلقة بتورطها في جرائم حرب في سياق الحرب الإسرائيلية على غزة،"أبريل 2025. https://www.business-humanrights.org/en/latest-news/microsoft-did-not-respond-to-the-allegations-over-its-complicity-in-war-crimes-amid-israels-war-in-gaza/

 

 

 

*************************************

هذا النص نشر قبل ايام باللغة الانجليزية ولقي صدى واسعا وايجابيا، وترجم ونشر في عشرات المنصات العالمية وبلغات مختلفة، من بينها:

مانثلي ريفيو اونلاين و تروث ديغ و زنيتنيتورك — الانجليزية

https://mronline.org/2026/04/25/the-explicit-manifesto-of-digital-fascism-palantir-and-the-alliance-of-monopoly-capital-with-the-far-right/

https://znetwork.org/author/rezgar-akrawi/

https://www.truthdig.com/articles/palantir-just-unmasked-itself-to-the-world/

ريبيليونونويفاتريبونا  — الاسبانية

https://rebelion.org/autor/rezgar-akrawi/

https://www.nuevatribuna.es/author/rezgar-akrawi/

سوليداريتيت — الدنماركية

https://solidaritet.dk/skribent/rezgar-akrawi/

ليندرو — الايطالية

https://www.lindro.eu/author/rezgar-akrawi/