بقلم: هيوا عمر

إن فهم قضية العمال في عالمنا اليوم، وبعد قرون من الصراع والشد والجذب
في العلاقة بين النظرية والواقع، وعقب سلسلة من التغيرات البنيوية
والتجارب العميقة، يعدّ قبل كل شيء "مهمة ثورية". وهذه المهمة لا يمكن أن
تتحقق دون الخوض والعمل في الحقول الفكرية والفلسفية، واستخدام المنهج
الديالكتيكي (الجدلي).

في عام 1845، وفي أطروحته الشهيرة حول "فيورباخ"، قال كارل ماركس: "لقد
اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، ولكن المهم هو تغييره".

وعلى الرغم من أن السياقات والاتجاهات المختلفة لنقاشات ماركس مع
"فيورباخ" و"هيغل" تحتمل الكثير من التأويل، إلا أن هذه المقولة استُخدمت
في كثير من الأحيان كذريعة لاعتبار العمل في المجال الفكري بعد ماركس
عملاً منجزاً ومنتهياً. ومع ذلك، كان أحد أبعاد فهم ماركس يتجسد في إخراج
الفلاسفة من الغرف المغلقة؛ لكي لا تظل الفلسفة حبيسة "التأمل"
و"التحليل" فقط، ولإنهاء تلك المرحلة التي يجلس فيها الفيلسوف وراء
الأبواب الموصدة يتحدث عن العالم دون أن تنغمس يداه في عمق العمل والصراع
الحقيقي داخل المجتمع.

هنا، يصبح المجتمع هو "ميدان التجربة والفهم". ويعود سياق هذا الطرح إلى
مفهوم "البركسيس" (Praxis)، والذي يعني (العلاقة الجدلية بين النظرية
والواقع). فماركس كان يرى أننا لا نفهم الظلم بمجرد التفكير فيه؛
فالحقيقة (Truth) ليست شيئاً نظرياً نجده في صفحات الكتب، بل الحقيقة
تُثبت في "الممارسة" والعمل. كان هدف ماركس هو تحويل الفلسفة إلى قوة
للتغيير، أي الانتقال من "الفلسفة" كفعل ذهني إلى "الثورة" كفعل سياسي.
وفي الوقت نفسه، وقبل مجيء ماركس، كانت الفلسفة تُعتبر "علم العلوم"،
شيئاً سامياً ومقدساً لا علاقة له بالحياة اليومية للناس والمصانع.

لقد أنزل ماركس الفلسفة إلى الأرض، قائلاً: "إن مهمة الفيلسوف ليست فقط
معرفة معنى الحياة، بل مهمته هي تغيير تلك الحياة المليئة بالاضطهاد،
وبناء حياة جديدة". ومن هنا تحولت الماركسية من فلسفة مجردة إلى
"أيديولوجيا ثورية".

آمن ماركس بأن التاريخ لا يتحرك بشكل مادي وميكانيكي دون وجود دور
للإنسان. لذا، ومنذ القرن التاسع عشر وصولاً إلى يومنا هذا في القرن
الحادي والعشرين، يظل فهم "قضية العمال" كقضية فكرية وفلسفية واحداً من
أهم المهام الثورية للمثقفين والقوى اليسارية والشيوعية.

في الفكر الماركسي، ليس العامل مجرد شخص يعمل، بل هو "فاعل تاريخي". لقد
جعل ماركس من العامل "قضية" من خلال النقاط التالية:

1- الاغتراب (Alienation): يرى ماركس أنه في ظل النظام الرأسمالي، يغترب
العامل عن نتاج عمله، وعن عملية العمل ذاتها، وعن ذاته، وعن بني جنسه من
البشر. العامل هنا يتحول إلى "سلعة" ويفقد قيمته الإنسانية.

2- فائض القيمة (Surplus Value): هذا هو المفهوم الاقتصادي الفلسفي الذي
يثبت أن الرأسمالي يغتني من خلال سرقة جهد وتعب العامل. ومن هنا يصبح
العامل "ضحية بنيوية"، وتكتسب قضيته بُعداً من أبعاد العدالة.

3- الصراع الطبقي: اعتقد ماركس أن المحرك الأساسي للتاريخ هو "الصراع
الطبقي". والعمال (البروليتاريا) هم الطبقة التي تكمن مصلحتها في إنهاء
كافة أشكال الاضطهاد، لأنها تقع في أسفل الهرم الاجتماعي. لذلك، تصبح
قضية العامل هي قضية "خلاص البشرية" جمعاء.

بعد معاينة التجارب النظرية والعملية منذ القرن التاسع عشر وحتى اليوم،
حدثت تغييرات عديدة في الماركسية (ما بعد ماركس). إن تلك التغييرات،
جنباً إلى جنب مع متطلبات واقعنا المعاصر، ستكون محور الجزء الثاني من
هذه السلسلة من المقالات.

powered by social2s