
ستار احمد
إن المتأمل في مسيرة الأمم يدرك أن التقدم ليس صدفة تاريخية، كما أن التأخر ليس قدراً محتوماً، بل هما نتاج لخيارات وقرارات تُصنع داخل المجتمع. إن الفجوة بين النهوض والركود تكمن في جوهرها في مدى القدرة على تحويل الطاقات البشرية إلى قوة منتجة، فالمجتمعات التي تغلّب العلم والابتكار على التلقين، وتقدّس ثقافة الإتقان والوقت على الاتكالية، هي التي تحجز مقعدها في قطار المستقبل. وفي المقابل، يظل غياب التخطيط وضبابية الرؤية الثقافية من أبرز القيود التي تكبل حركة المجتمع وتمنعه من اللحاق بركب العصر.
إن هذه المسؤلية تتوزع بوضوح بين ثنائية الدولة والمجتمع؛ فالحكومة هي المظلة التي تمنح العملية التنموية شرعيتها وقوتها، وذلك من خلال بناء مؤسسات راسخة تقوم على الشفافية وسيادة القانون، وتهيئة بيئة تشريعية تحفز المبدعين وتحمي المبادرات. إن دور الدولة هنا لا يقتصر على الإدارة، بل في كونها القدوة في الحوكمة والاستثمار في رأس المال البشري بوصفه الثروة الحقيقية التي لا تنضب. فبدون نظام قانوني وتعليمي متطور، تظل جهود الأفراد مبعثرة وغير مثمرة.
وعلى الضفة الأخرى، يبرز دور المجتمع كشريك أصيل لا يقل أهمية؛ إذ لا يمكن للقوانين والخطط الحكومية أن تنجح في بيئة يغيب عنها الوعي الشعبي. إن المسؤولية الفردية في تجويد العمل، والتحول من النمط الاستهلاكي إلى النمط الإنتاجي، هي الوقود الحقيقي لمحرك النهضة. المجتمع الواعي هو الذي يدرك أن الإصلاح يبدأ من الذات، وأن العمل التطوعي والمبادرات المدنية هي التي ترمم الفجوات وتدفع بالوطن نحو الأمام.
ختاماً، إن النهوض هو "عقد اجتماعي" يتطلب إرادة سياسية شجاعة تقابلها طاقة مجتمعية متوثقة. إننا بحاجة إلى رؤية توحد الجهود، حيث يدرك الجميع أن التقدم ليس منحة خارجية، بل هو استحقاق وطني يُبنى بسواعد أبنائه وبصيرة قيادته. فالمجتمعات التي تنجح هي التي تتوقف عن اجترار الماضي لوم الظروف، وتبدأ في صياغة حاضرها بوعي وعمل، مؤمنة بأن رحلة الألف ميل تبدأ دائماً بقرار شجاع نحو التغيير.