
قراءة في استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة
حين تتبنى استراتيجية الدولة هوية مافيوية
كاوه محمود
الجزء الثاني
رابعاً: تصنيف مناطق العالم على أساس أهمية المصالح الحيوية
1- نصف الكرة الجنوبي الغربي
أحد الملامح التي تحاول الاستراتيجية الأمريكية الجديدة الادعاء بأنها تختلف فيها جذريًا عن الاستراتيجيات السابقة، هو ما يتعلق بتصنيف المناطق استنادًا إلى أهمية المصالح الحيوية. ولهذا نرى عند الإشارة إلى مختلف مناطق العالم، تأتي نصف الكرة الغربي في المرتبة الأولى ضمن هذا التصنيف، قبل الشرق الأوسط. وتشير الوثيقة ان العمل لحماية المصالح والوصول الى المواقع الجغرافية الحيوية في كامل المنطقة يتطلب منع القوى غير المنتمية لنصف الكرة الجنوبي الغربي من القدرة على نشر قوات أو قدرات تهديدية، و اذا اقتضت الضرورة ـ كما جاء في الوثيقة ـ أن تقوم أمريكا بمواجهة بأي نشاط أو عمل إرهابي لحماية مصالحها الأساسية، أو لجأت إلى التدخل العسكري في مناطق هامشية، فإنّ ذلك لا يعني بالضرورة أنّ تلك المنطقة أو بعض المناطق الأخرى ليست أقل أهمية، غير أنّ نصف الكرة الغربي تُعدّ محورًا حيويًا باعتبارها فضاءً “محجوزًا” في منظور المصالح الحيوية، لذا ليس من الضروري أن تُهدر الولايات المتحدة الزمن والموارد في مناطق هامشية ضمن تصنيف المصالح الجوهرية.
أ- إعلان مونرو
لتنفيذ هذا الهدف، أي استعادة الهيمنة الأمريكية ونفوذها في النصف الجنوبي الغربي من الكرة الأرضية، ولا سيما أمريكا اللاتينية، أعادت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إحياء عقيدة مونرو وتكييف السياسة العامة وفق الامتداد الترامبي لهذه العقيدة.
فعقيدة مونرو، التي أعلنها الرئيس الأمريكي جيمس مونرو في رسالته السنوية للكونغرس عام 1823، أكدت بوضوح أن أمريكا الجنوبية هي “الحديقة الخلفية” للولايات المتحدة، وأنّ وجود أي قوة عالمية خارجية فيها يُعدّ تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي.
وقد جاء هذا الإعلان في مرحلة كانت فيها الجمهوريات اللاتينية قد نالت استقلالها للتوّ عن إسبانيا والبرتغال. وقد رحّبت هذه الجمهوريات بالعقيدة لأنها كانت ترى فيها حاجزًا يمنع عودة الاستعمار الأوروبي العسكري، رغم أنّ أوروبا نفسها استفادت لاحقًا من أساليب أخرى للعودة بما في ذلك الاحتلال العسكري. وكان الهدف الأمريكي الرئيسي هو تقاسم مناطق النفوذ مع القوى الاستعمارية الأوروبية القديمة، بأن لا تتدخل في النزاعات الأوروبية، ولكي لا تتحول أمريكا اللاتينية إلى ساحة صراع أوروبي يهدد الهيمنة الأمريكية.
ولا يمكن فهم هذا التوجه دون ربطه بالتحولات العالمية التي كانت جارية منها: توسع السوق العالمية، بروز الإمبريالية، اللجوء إلى الحرب كأداة لإعادة تقسيم الأسواق، وتكثيف الصراعات ضمن منطق النظام الرأسمالي العالمي.
ب- ملحق روزفلت على عقيدة مونرو
أول تعديل إمبريالي مباشر على عقيدة مونرو جاء عام 1904 في عهد روزفلت، وعُرف بـ“ملحق روزفلت”. وفيه منحت الولايات المتحدة نفسها حق التدخل في الشؤون الداخلية لأي دولة في أمريكا اللاتينية إذا رأت أنّ فيها "مخالفات صارخة ومستمرة" يهددان مصالحها. وعلى هذا الأساس رفعت أمريكا شعار “العصا الغليظة”، وتدخلت عسكريًا في نيكاراغوا (1911) وهايتي (1915) وغيرهما.
وقد كان هذا التعديل هو التعبير العملي عن منطق الإمبريالية في مرحلة إعادة اقتسام النفوذ والأسواق عالميًا.
لاحقًا بدأت فعالية هذا النهج تتراجع، خصوصًا بعد توقيع “معاهدة ريو” عام 1947 التي وزعت مسؤولية الأمن الإقليمي على 19 دولة بدلًا من انفراد الولايات المتحدة به. كما تغيّر المشهد الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، مع تأسيس الأمم المتحدة وصعود الاتحاد السوفيتي كقوة منافسة.
ج- ملحق ترامب لعقيدة مونرو
لكنّ السؤال اليوم هو: كيف يريد ترامب، ضمن استراتيجية الأمن القومي الجديدة، إعادة بسط الهيمنة الأمريكية على النصف الجنوبي الغربي من العالم؟
تشير الوثيقة إلى أنّ أمريكا، لسنوات طويلة، قلّلت من اهتمامها بهذه المنطقة الحيوية، وأنّ حماية الأمن القومي تتطلب الآن توجيه سياسة جديدة تُلخَّص في “ملحق ترامب لعقيدة مونرو”. ويقوم على المبادئ التالية:
ـ منع أي قوة خارجية من امتلاك نفوذ داخل النصف الجنوبي الغربي من الكرة الأرضية أو تشكيل أي تهديد للمصالح الأمريكية.
ـ استخدام الحلفاء الإقليميين للسيطرة على الحكومات المحلية، ومنع الهجرة غير الشرعية، وضبط تجارة المواد المخدرة، وحماية الأمن البحري والبري.
ـ توسيع المصالح الاقتصادية الأمريكية وبناء شراكات تجعل الولايات المتحدة الشريك المفضل لدول المنطقة.
د- ما الذي يتطلبه تنفيذ “الملحق الثاني” لعقيدة مونرو؟
تحدد الاستراتيجية القومية الأمريكية أربعة إجراءات رئيسة لتنفيذ هذه الرؤية:
1ـ إعادة نشر القوات العسكرية الأمريكية وإحياء مواقع كانت قد أُهملت، للتصدي لأي تهديد محتمل في "الحديقة الخلفية".
2ـ تعزيز السيطرة على الممرات البحرية والبرية والحدودية عبر الأساطيل والقواعد البحرية.
3ـ استخدام القوة بدل القانون عند الضرورة، بعدما أثبت "القانون الدولي" عدم فعاليته في حماية المصالح الامريكية في مراحل سابقة.
4ـ توسيع قواعد الانتشار العسكرية والوصول إلى نقاط ذات أهمية استراتيجية للمصالح الأمريكية.
هـ- الهجوم على فنزويلا وإختطاف مادورو وسيليا فلوريس
من أبرز الأمثلة على تنفيذ “ملحق ترامب” هو الهجوم السياسي والاقتصادي ـ وأحيانًا العسكري المباشر ـ على فنزويلا، وأخيراً اختطاف نيكولاس مادورو وسيليا فلوريس.
وإذا ربطنا ما جرى مع فنزويلا بالبنود الأربعة السابقة، فسنلاحظ بوضوح أنّ الإدارة الأمريكية تعاملت معها كوجهة مباشرة، انتهكت فيها القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة. وقد أعلن ترامب مرارًا رغبته في السيطرة على مصادر الطاقة الفنزويلية وتسليم اقتصاد البلاد للشركات الأمريكية، في محاولة لإلغاء إرث شافيز في تأميم قطاع الطاقة.
لقد شكّلت فنزويلا نموذجًا متقدمًا في سياسات ترامب العدوانية التي لا يمكن النظر اليها ألا ضمن الوجهة العامة لخطوط استراتيجية الأمن القومي الامريكي والتي تتضمن فصولها الانسحاب من الاتفاقيات الدولية، وفرض الرسوم الجمركية، والانسحاب من اتفاقيات الأمم المتحدة المتعلقة بالمناخ وما يتعلق بمفاهيم الاحتباس الحراري واشعاعات الكاربون، والانسحاب من اليونسكو ومجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة، اضافة الى مطالبة ترامب بضم غرينلاند وتجديدها بشكل مستمر، وسياسة التعامل مع أزمات الشرق الاوسط، والموقف المتعلق بالتعامل مع روسيا والصين. وسأتناول هذه الملفات بايجاز في الجزء الثالث من المقال.
وعلى الرغم من أن كثيرًا من الدول والمنظمات الدولية أدانت الهجوم على فنزويلا، وشهدت مدن أمريكية مظاهرات رافضة له، فإنّ الإعلام الغربي وشبكات التواصل أخفقت في نقل هذه المواقف إلى الرأي العام العالمي.
وسأناقش في الخاتمة النتائج والدوافع العميقة لهذه السياسات، لكن قبل ذلك أود الإشارة إلى أنّ إدانة الجريمة التي ارتكبها ترامب بحق فنزويلا ومحاولات إسقاط حكومتها، هي إدانة لنهج مافيوي لا يمتّ بصلة إلى أي إطار سياسي أو أخلاقي ضمن مبادئ القانون الدولي. وهي لا تعني أبدًا الدفاع عن نظام مادورو الذي فشل في معالجة أزمات البلاد العميقة، أو تبرير كل ما يقع داخل هذا البلاد، فعلى القوى اليسارية العالمية أن لا تصطف بشكل أعمى أيديولوجياَ في الدفاع عن خروقات مادورو أو تبرير سياسات فاشلة لم تحقق التنمية. فيجب أن يكون الموقف انحيازاَ للشعب الفنزويلي وخياراته الأساسية، وللقوى اليسارية والتقدمية الفنزويلية ضدّ منطق الهيمنة الكولونيالية التي تمارسها الولايات المتحدة الامريكية.
ان هذه القضية تتجاوز المستوى المحلي، وتمسّ مستقبل النظام الدولي كله،فالقضية الرئيسية هنا هي منع الفوضى على المستوى الدولي، حتى لا تلتهم الدول الكبيرة الدول الصغيرة وتقع مصالح وحقوق الشعوب المضطهدة ضمن توازنات المساومات بين مصالح القوى الكبرى المهيمنة وقمع الأنظمة الديكتاتورية.
ان ما يجري اليوم في العالم تستدعي وجهة الحوكمة العالمية والاحتكام نحو تفعيل دور الأمم المتحدة ومبادئها ضمن حماية حقوق الشعوب وارادتها المستقلة ودرء الحروب وانهاء بؤر التوتر والحفاظ على السلام العالمي لتحقيق الأمن المشترك والتنمية المشتركة، وسأشير الى هذا الموضوع بشكل أكثر وضوحاَ في القسم الثالث والاخير من المقالة.