حين تتبنى استراتيجية الدولة هوية مافيوية

كاوه محمود

الجزء الثالث

أشرت في الجزء الثاني من هذه المقالة الى تصنيف وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الامريكية، مناطق العالم على أساس أهمية المصالح الحيوية، وهي بالترتيب بالعناوين التالية: أ .نصف الكرة الغربي: اُلُملحق الترامبي لعقيدة مونرو.

ب .آسيا: كسب المستقبل الاقتصادي ومنع المواجهة العسكرية.

جـ .تعزيز عظمة أوروبا

د .الشرق الأوسط: نقل الأعباء وبناء السلام

هـ أفريقيا.

وقد تناولت في الجزء الثاني موضوعة نصف الكرة الغربي: الملحق الترامبي لعقيدة مونرو وتطبيقاته العملية فيما يتعلق بالعدوان على فنزويلا نموذجاً.

وعلى الرغم من ان موقع الشرق الأوسط يأتي في المرتبة الرابعة في تصنيف المناطق ذات الأهمية في الستراتيجية، أود الاشارة في هذا الجزء الى موضوعة الشرق الأوسط ارتباطاً بالأوضاع السياسة الجارية، وتشابك الصراعات الجارية سواء ما يتعلق بالأوضاع الداخلية في كل من ايران وتركيا والعراق وسوريا ولبنان واليمن وما يتعلق بتداعيات الحرب في غزة والصراعات الأقليمية التي تتداخل فيها المصالح المتناقضة لكل الدول الأقليمية، وتدعيات كل ذلك على القضية الكوردستانية بشكل عام.

تشير وثيقة الاستراتيجية بان السياسة الخارجية الأمريكية كانت على مدى نصف قرن تُُعطي الأولوية للشرق الأوسط فوق أي منطقة أخرى، لأسباب عديدة منها: كون الشرق الأوسط لعقود أهم مورد للطاقة في العالم، وكان ساحة رئيسية للتنافس بين القوى العظمى، وكان مليئًًا بالصراعات الداخلية والاقليمية التي كانت تهدد بالامتداد إلى العالم الأوسع بل وحتى إلى سواحل الولايات المتحدة الأمريكية. غير ان وثيقة الاستراتيجة ترى أن الوضع قد تغير لعدة أسباب منها: ان مصادر الطاقة أصبحت أكثر تنوعاً، وأن التنافس بين القوى العظمى "قد تحوّّل إلى تزاحم بين القوى الكبرى، تحتل فيه الولايات المتحدة الموقع الأكثر إثارة للإعجاب، مدعومًا بنجاح الرئيس ترامب في إحياء التحالفات في الخليج، ومع الشركاء العرب الآخرين، ومع إسرائيل".

وعلى الرغم من أن الوثيقة تعبر عن ازعاجه من الصراع في الشرق الأوسط غير انها تستدرك ذلك بكون " حجمه اليوم ـ ويقصد الصراع ـ  أقل مما توحي به العناوين الإعلامية".

والسؤال هنا لماذا يتصور ترامب واستراتيجية الأمن القومي الامريكي بأن حجم الصراعات ليس كالسابق:

تعتمد الاستراتيجية على المعطيات التالية:

ـ ضعف ايران نتيجة العمليات الإسرائيلية منذ 7 أكتوبر 2023، وكذلك نتيجة عملية "مطرقة منتصف الليل" التي نفذها الرئيس ترامب في يونيو 2025، والتي قلّّصت بشكل كبير برنامج إيران النووي.

ـ وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن في غزة.

ـ "إضعاف الداعمين الرئيسيين لحماس"، وبقصد به ايران وسوريا الأسد و حزب الله اللبناني دون ذكرهم بشكل مباشر في الوثيقة.

وترى الوثيقة بأن سوريا تضل مصدر قلق محتمل "لكن مع الدعم الأمريكي والعربي والإسرائيلي والتركي قد تتمكن من الاستقرار واستعادة دورها الطبيعي والإيجابي كلاعب محوري في المنطقة".

غبر ان الاحداث الجارية والتي تجري سوريا تثبت ان هذا الدعم لسوريا الجولاني لا تثنيه من ارتكاب مجاوز ضد العلويين والدروز وضد الكورد كما هو الحال الآن في الهجوم على السكان العزل في الأشرفية وشيخ مقصود في حلب.

ان الاستنتاج الاساسي للوثيقة  فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو تراجع الأسس التاريخية لاهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بالشرق الأوسط ياتجاه اعتباره مصدراً ووجهة للاستثمارات الدولية، وفي قطاعات تتجاوز الغاز والنفط. وقد كانت زيارة ترامب لدول الخليج توجهاً واصحا ضمن هذا التصور الوارد في الاستراتيجية لتعزيز فرص الولايات المتحدة الامريكية لفتح اسواق تسميها ودية ومفتوحة.

ولتطبيق هذه السياسة ترى الولايات المتحدة الامريكية بأن شركائها ويقصد بذلك دول عربية بما فيهم سوريا الجولاني وتركيا ودول الخليج، يظهرون التزامهم بمكافحة التطرف، وتقدم مقابل ذلك تصورا بأن دعم هذا التوجه يتطلب من أمريكا "التخلّّي عن التجربة الأمريكية الخاطئة المتمثلة في توجيه اللوم والضغط على هذه الدول -وخاصة الملكيات الخليجية- لحملها على التخلي عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية"، ولذك ترى هذه السياسة بأن نجاح الولايات المتحدة الأمريكة في الشرق الأوسط "هو قبول المنطقة وقادتها ودولها كما هي، والعمل معهم في مجالات المصالح المشتركة".

وقد عبر المبعوث الأمريكي توم باراك في زيارته لسوريا ولبنان والحديث عن العراق عن هذا التوجه في تصريحاته الأخيرة.    

وعلى ضوء هذا التوجه وضعت الاستراتيجية أولوياتها التي تضمن مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط ضمن النقاط التالية:

ـ ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو مباشر.

ـ أن يبقى مضيق هرمز مفتوحًًا.

ـ  أن يظل البحر الأحمر صالحًًا للملاحة.

ـ  ألا يتحوّّل الشرق الأوسط إلى حاضنة أو مصدر لتصدير الإرهاب ضد المصالح الأمريكية.

ـ  أن تبقى إسرائيل آمنة.

وعلى ضوء هذه الأولويات تركز سياسة ترامب على اتفاقيات ابراهام واحتواء ايران، واعتبار ما يجري من تجاوزات على حقوق الأنسان وهدر حقوق الشعوب وتفاقم ارهاب الدولة في التعامل مع القضية الكوردستانية عموماً مسائل تتعلق بقبول أوضاع المنطقة كما هي فليست المهمة المساهمة في حل ما يمكن تسميته بأزمة الدول كما هو الحال في العراق وسوريا والأزمات في لبنان واليمن، أو حل القضية الفلسطينية واحلال السلام وفق منطق حل الدولتين، أو حل القضية الكوردستانية وقضايا المكونات الأخرى في الشرق الأوسط وفق الارادة الحرة للشعوب لاحلال سلام عادل دائم في المنطقة والعالم.

ان الاستناج الذي تصل اليه السياسة الأمريكية هو ان" الشرق الأوسط لم يعد مهمًًا، بل لأنه لم يعد ذلك المسبب الدائم للاضطراب والمصدر المحتمل لكارثة وشيكة كما كان في السابق. بل إنه اليوم يبرز كمنطقة شراكة وصداقة واستثمار". وهذا الاستنتاج خاطئ، لأن نضارب المصالح في ظل استقطابات دولية واقليمية جديدة في ظل استمرار أزمات المنطقة وتداعياتها على العالم، تضع هذه المنطقة على صفيح ساخن دائم وقد شهدت خلال السنوات الماضية حروب ابادة ضد المكونات القومية والدينية والمذهبية لا تزال تداعياتها وامكانية ممارستها بأشكال أكثر وحشية متوفرة، ناهيك من مخاطر الارهاب التي لا جذورها وأسبابها موجودة، ولا يمكن محاربتها وفق اجراءات أمنية وعسكرية فقط، بل يتطلب ضمان حوكمة عالمية للمساهمة الدولية في مجالات سياسية متنوعة باتجاه العمل لمجتمع مصير مشترك لشعوب الشرق الأوسط وفق الارادة الحرة لتلك الشعوب.

 يتبع: يبدو ان هذه الموضوعة تحتاج الى جزء رابع

 


 رێگای كوردستان ماڵپەڕێكی سیاسی، رۆشنبیری، گشتییە ئۆرگانی حزبی شیوعی كوردستانە، مەكتەبی راگەیاندنی ناوەندی بەڕێوەی دەبات

میدیا

   تەلەفۆن:   797 4635 750 964+

   ناونیشان:  هەولێر - گەرەکی ئازادی - نزیك نەخۆشخانەی نانەکەلی

   ئیمێل:  regaykurdistan@gmail.com

سۆسیال میدیا